الشوكاني
489
فتح القدير
علم اليقين ) أي لو تعلمون الأمر الذي أنتم صائرون إليه علما يقينا كعلمكم ما هو متيقن عندكم في الدنيا وجواب لو محذوف : أي لشغلكم ذلك عن التكاثر والتفاخر ، أو لفعلتم ما ينفعكم من الخير وتركتم مالا ينفعكم مما أنتم فيه ، وكلا في هذا الموضع الثالث للزجر والردع كالموضعين الأولين . وقال الفراء : هي بمعنى حقا ، وقيل هي في المواضع الثلاثة بمعنى ألا . قال قتادة : اليقين هنا الموت ، وروى عنه أيضا أنه قال : هو البعث . قال الأخفش : التقدير لو تعلمون علم اليقين ما ألهاكم ، وقوله ( لترون الجحيم ) جواب قسم محذوف ، وفيه زيادة وعيد وتهديد : أي والله لترون الجحيم في الآخرة . قال الرازي : وليس هذا جواب لو ، لأن جواب لو يكون منفيا ، وهذا مثبت ولأنه عطف عليه ( ثم لتسألن ) وهو مستقبل لا بد من وقوعه قال : وحذف جواب لو كثير ، والخطاب للكفار ، وقيل عام كقوله - وإن منكم إلا واردها - قرأ الجمهور " لترون " بفتح التاء مبننا للفاعل وقرأ الكسائي وابن عامر بضمها مبنيا للمفعول ، ثم كرر الوعيد والتهديد للتأكيد فقال ( ثم لترونها عين اليقين ) أي ثم لترون الجحيم الرؤية التي هي نفس اليقين ، وهي المشاهدة والمعاينة ، وقيل المعنى : لترون الجحيم بأبصاركم على البعد منكم ، ثم لترونها مشاهدة على القرب . وقيل المراد بالأول رؤيتها قبل دخولها ، والثاني رؤيتها حال دخولها . وقيل هو إخبار عن دوام بقائهم في النار : أي هي رؤية دائمة متصلة . وقيل المعنى : لو تعلمون اليوم علم اليقين وأنتم في الدنيا لترون الجحيم بعيون قلوبكم ، وهو أن تتصوروا أمر القيامة وأهوالها ( ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ) أي عن نعيم الدنيا الذي ألهاكم عن العمل للآخرة . قال قتادة : يعني كفار مكة كانوا في الدنيا في الخير والنعمة ، فيسألون يوم القيامة عن شكر ما كانوا فيه ، ولم يشكروا رب النعم حيث عبدوا غيره وأشركوا به . قال الحسن : لا يسأل عن النعيم إلا أهل النار . وقال قتادة : إن الله سبحانه سائل كل ذي نعمة عما أنعم عليه ، وهذا هو الظاهر ، ولا وجه لتخصيص النعيم بفرد من الأفراد ، أو نوع من الأنواع لأن تعريفه للجنس أو الاستغراق ، ومجرد السؤال لا يستلزم تعذيب المسؤول على النعمة التي يسئل عنها ، فقد يسأل الله المؤمن عن النعم التي أنعم بها عليه فيم صرفها ، وبم عمل فيها ؟ ليعرف تقصيره وعدم قيامه بما يجب عليه من الشكر ، وقيل السؤال عن الأمن والصحة ، وقيل عن الصحة والفراغ ، وقيل عن الإدراك بالحواس ، وقيل عن ملاذ المأكول والمشروب ، وقيل عن الغداء والعشاء ، وقيل عن بارد الشراب وظلال المساكن ، وقيل عن اعتدال الخلق ، وقيل عن لذة النوم ، والأولى والعموم كما ذكرنا . وقد أخرج ابن أبي حاتم عن أبي بردة في قوله ( ألهاكم التكاثر ) قال : نزلت في قبيلتين من قبائل الأنصار في بني حارثة وبني الحارث تفاخروا وتكاثروا ، فقالت إحداهما : فيكم مثل فلان وفلان . وقال الآخرون : مثل ذلك تفاخروا بالأحياء . ثم قالوا : انطلقوا بنا إلى القبور ، فجعلت إحدى الطائفتين تقول : فيكم مثل فلان يشيرون إلى القبر ، ومثل فلان ، وفعل الآخرون كذلك ، فأنزل الله ( ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر ) لقد كان لكم فيما زرتم عبرة وشغل . وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله ( ألهاكم التكاثر ) قال : في الأموال والأولاد . وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن زيد بن أسلم عن أبيه قال : قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " ألهاكم التكاثر " يعنى عن الطاعة ( حتى زرتم المقابر ) يقول : حتى يأتيكم الموت ( كلا سوف تعلمون ) يعني لو قد دخلتم قبوركم ( ثم كلا سوف تعلمون ) يقول : لو قد خرجتم من قبوركم إلى محشركم ( كلا لو تعلمون علم اليقين ) قال : لو قد وقفتم على أعمالكم بين يدي ربكم ( لترون الجحيم ) وذلك أن الصراط يوضع وسط جهنم ، فناج مسلم ومخدوش مسلم ومكدوش في نار جهنم ( ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ) يعني شبع البطون وبارد